23‏/04‏/2012

بقايا ما كان مترسبا

لم يكن الأمر يحتمل الصمود الزائف أكثر من هذا. كان لابد لتلك اللحظة أن تحين وألا يطول بها الانتظار أكثر من هذا.. لم أكن لأخدع نفسي وأحاول إجبارها على ما ليس منها، مادمت مقتنعة بما أنا عليه وفيه.. استخرتك مطولا يا الله، وهديتني إلى ما فيه الخير لي في علمك أنت ومقدرتك.. استخرتك يا الله، فاشرح لي صدري ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي..

يا الله.. تعلم أنه قد مرت بي أيام كنت أخشى فيها كل شيء.. أيام صرت فيها بمعزل عمن وعما حولي، باختياري وأيضا رغما عني،  حتى صرت أخشى الكتابة هنا على الملأ، تجنبا للفهم الخاطئ، متعمَّدا كان أو غير متعمد.. حتى آل بي الأمر إلى إنشاء مدونة سرية أدون فيها ما أشاء دون القلق من الفهم الخاطئ، ودون التقيد بمن كانوا حولي وقتها.. كرهت المدونة السرية وقد كانت بلا روح، لكنني كنت مقيدة، ومحاصرة.. ثم تطور الحصار إلى اختناق، صرت لا أقوى معه على البوح، لا هنا ولا هناك.. ظللت حبيسة نفسي أكثر من شهر، لم أقوْ خلالها على التدوين العلني أو حتى السري.. بهتت نفسي، بملاحظة المحيطين بي على اختلاف درجة القرب.. حتى جاءت تلك اللحظة التي هديتني فيها يا الله، لأعود كما كنت.. لأعود لي أنا..

ولكن، تبقى بداخلي بعض الرواسب حتى الآن على أثر التجربة، التي كان خوضها أمرا حتميا. هي تجربة من تجارب عدة نمر بها على مدار حياتنا، ويتحتم علينا -حتى وإن كان يصعب- بعدها أن نمضي قدما في الحياة، وإلا كيف سيمكننا النضج حقا؟ كيف سيمكننا الشعور بأننا حقا كبرنا؟ الماضي يشكلنا، وتجاربنا تقوينا.. ولكن لن ينفعنا تعثرنا بالماضي إذا أطلنا النظر خلف ظهورنا..


على الهامش

بعد توقف عن الكتابة دام لأكثر من شهر، عدت مرة أخرى بتدوينة وحيدة، متأثرة بتجربة شخصية مرت بي خلال الفترة الماضية.. ثم يشاء الله أن أفرغ طاقتي الكتابية الكامنة، بعد أن وضع في طريقي حدثي ألوان، واللغة العربية للاستخدام اليومي، لأتمكن بعدها من استعادة نفسي تدريجيا، والتعرف إلى أشخاص هنا في هذا العالم الافتراضي الواسع.. أشخاص أعادوا لي يقيني، بأنه مازال على هذه الأرض ما يستحق الحياة..

19‏/04‏/2012

صخب وسكينة

كانت الساعة الثالثة صباحا عندما رن الهاتف لأول مرة ولكنه توقف، وما أن وضعت رأسي من جديد لأنام حتى سمعت بعض الطرق على باب غرفتي.. في البدء اعتقدت أنها خيالات أو بقايا أحلام انتزعني منها الطرق، ولكن سرعان ما أفقت، بعد أن انتبهت إلى الحقيقة التي أقضت مضجعي، وهي أنني وحدي بالبيت..! مع تكرار الطرقات، تكومت حول نفسي في ذعر حقيقي، وأنا أستعيذ بالرحمن من الشيطان الرجيم.. لحظتها، أمسكت بالهاتف علني أتعثر برقم ينجدني، فوقعت عيناي على رقم المتصل سابقا.. أصغيت جيدا للصوت الآتي من خلف الباب، فعرفته من فوره.. كيف نسيت أن آخذ منه نسخة مفتاح البيت التي يحتفظ بها؟ من حسن حظي أنه لم يكن يحتفظ بنسخة من مفتاح الغرفة أو أية غرف أخرى..

سمعته يستغيث.. يستنجد ويقسم بأيام عهد بائد جميل -هكذا ظننت وقتها- كما يفعل دوما .. ظل على هذا الحال يذكرني بأيامنا الحلوة معا، ويطلب مني العفو والرضا، وهو لا يدرك أن رضاي لن يجدي شيئا مادام الله غير راض.. وكيف أرضى وحاله من يوم إلى يوم يسوء، بمباركة أصحاب السوء؟

ظللت صامتة صامدة لا يهزني رجاؤه، حتى يأس من سبيلي وسكت.. بعدها بلحظات طويلة، سمعت صوت باب المنزل ينغلق بشدة وخيبة أمل.. انتفضت روحي لحظتها، وبكيت طويلا بحرقة وألم، ثم أمسكت كتاب الله ليسكن بين يدي، وتسكن به نفسي..

18‏/04‏/2012

عن الكنسرفتوار والرقص المعاصر..



ليس بالضرورة أن تقتصر أحلام الطفولة على مرحلة الطفولة فقط، فقد يرافقك الحلم ويلازمك حتى وإن بدأ الشيب يتجول في رأسك.. لطالما كان حلمي الموسيقي يراودني.. أن أتقن العزف على البيانو -أو بالأدق أن أتقن استخدام يدي اليسرى لضبط الإيقاع- وهو أمر لازلت حتى الآن أتمنى أن يسنح لي الوقت لتحقيقه.. أن أتقن قراءة النوت الموسيقية، وليس فقط عزف الموسيقى سماعيا.. لو لم أكن التحقت بكلية الطب، لوددت أن ألتحق بالكنسرفتوار :).. عشقي للموسيقى والغناء ليس له حدود.. ومؤخرا انضم الرقص المعاصر (Contemporary) إليهما بالإضافة إلى أنواع أخرى..

في النهاية تبقى الأحلام أحلاما.. قد يكتب لها الوجود يوما ما على أرض الواقع، وقد تظل مجرد أحلام..

17‏/04‏/2012

أمومة

-ماما أنا نازلة خلاص، عايزة ألحق المحاضرة من أولها..
-يا بنتي استني أنا خلاص جاهزة أهو..
-ماما أنا نازلة..
-(بعصبية) خلاص براحتك.. أنا مش هوصل حد بعد كده ولا ليا دعوة بيكم بعد كده..

في اليوم التالي..

-أنزل وأختي مع أمي، ونرافقها حتى السيارة.. تنظر لنا نظرة غيظ ضاحكة، وتقول: الله، أنتم مش هتروحوا كلياتكم؟ أنا قايلة مش هوصل حد خلاص..
-خلاص يا ماما بقى..
-ماما إيه بس..

نركب السيارة.. وكأن شيئا لم يكن :))

"هي دي ماما" :))

عشرة أشياء لي فقط

(1)

علبة فارغة لأحد أنواع العلكات "المستيكة بلغة أهل الإسكندرية".. أحتفظ فيها ببعض الأقلام الزرقاء الفارغة، وقلم رصاص وحيد..


(2)

لست كمعظم البنات اللائي يحتفظن على الأرفف فوق أسرتهن بالعرائس والدمى والدباديب.. عوضا عن ذلك، يضم رفي الأسفل باقة من كتبي المفضلة بعيدا عن كتب الدراسة، أما الرف العلوي، فيتشرف باحتوائه لبعض الأشياء والأوراق القديمة المتهالكة -والتي تشمل شهادة تقدير لأوائل الثانوية العامة، مقدمة من جمعية الإسكندرية لرعاية الأطفال- D: بالإضافة إلى جهاز الضغط خاصتي، والسماعة ال Littmann التي تعود في الأصل لأمي :)

(3)

بعض ملصقات الدعاية التي تعترض طريقي بين الحين والآخر، عوضا عن لصقها، أقوم بوضعها تحت زجاج المكتب (بتدي منظر برضه) ..D:

(4)

ملف أخضر قديم متهالك، منذ أيام المرحلة الإعدادية، أضع فيه الآن أحب الأوراق والباقات، وأيضا الكراسات إلى قلبي..

(5)

على ذكر الكراسات.. كانت تلك الكراسة مخصصة في البدء لتدوين أي شيء يتعلق بالواجبات المفترض إنجازها، وقتما كنت في الصف الأول الثانوي.. ثم انتهى بها المآل في نفس العام إلى كراسة لتدوين كلمات أغاني فيروز، وغيرها من الأغاني المحببة إلى قلبي.. لتظل معي بعدها، وتشهد بداية عهدي بالكتابة، أو إذا شئت الدقة- بالتدوين..


(6)

علبة Galaxy Jewels.. أضع فيها الآن دبابيس الطرح وبعض الحلي المتناثرة..

(7)

علب سنون الأقلام الرصاص الفارغة.. كنت أستخدمها في الماضي لإجراء بعض التجارب الكيميائية في البيت، والتي تشتمل على خلط نقاط من الماء والعطر وزيت الشعر، ولا مانع من إضافة بعض ال Fairy، لينتهي المزيج بفقاقيع صغيرة، وصدور غاز -الله وحده يعلم ماهيته- يدفع "أو بالأدق يُنطر" غطاء العلبة إلى مسافة بعيدة -داخل حدود الغرفة-.. عادة تنتهي التجربة بشرخ العلبة البلاستيك، لأعاود بعدها التجربة من جديد داخل علبة أخرى..

(8)

المستيكة التي يمضغها معظم الناس من باب التسلية أو التعود.. أمضغها أنا كي تفك انسداد أذني بزيادة الضغط بداخلها..

(9)

طرحة باللون الزهري المفضل لدي.. بعد أن قامت أختي -الله يسامحها- بوضعها في الغسيل، خرجت بلون عجيب.. مزيج من الزهري الباهت والأخضر الذي لا معالم له، لينتهي بها الأمر وتصبح إيشاربا أو أمطة -كما تسميها الجدات والأمهات- أضعها على رأسي في أيام الامتحانات -تلك الأيام التي أعجز حقا عن وصف نفسي فيها-.

(10)

حصالة مغطاة بالأصداف المبهجة، أمتلكها منذ وعيت على هذه الدنيا بما فيها.. صارت الآن عندي من أغلى الأشياء وأحبها.. وأحتفظ بأعز ذكرياتي ومقتنياتي فيها.. أشياء بسيطة وذكريات لا تنسى..

07‏/04‏/2012

الدنيا بنكهة الأحمر

قد يبدو النص تقليديا هذه المرة، فأنا في حيرة من أمري.. في البدء أقرر وصف مشهد كنت قد وصفته من قبل.. مشهد لفتاة -أو قل امرأة-، ينثني عليها فستان أحمر صارخ، قصير عليها، وقاسٍ على من حولها.. تنتظر من يشاركها أداء رقصة الرومبا أو الفلامنكو، أو أيا كان..

أتأنى قليلا، وأنظر حولي.. الكون مليء بأشياء وهبات ذات صبغة حمراء مميزة، وهكذا البشرأيضا.. دماؤنا التي تجري في العروق.. هي سر حياتنا، المصبوغ بالأحمر..


الأحمر هو الحياة، هو الحب.. هو الجرأة في الفعل قبل القول.. هو الجمال في عيون المبدعين.. هو وردة تعترض طريقك عابرا، فتلقي في نفسك سرورا ينسيك متاعب يومك.. هو ربطة بسيطة تزين شعر طفلة جميلة يُحلي وجنتيها نفس اللون.. هو أول لون في قوس قزح.. هو كل شيء جميل في دنيانا..




الأحمر بداخلي أنا، وبداخلك أنت.. :)


06‏/04‏/2012

قصص كُتبت بالأسود

(1)

تتهيأ للمغادرة الآن. تستعجلها أمها كعادة الأمهات. تنظر لحالها مرة أخيرة في المرآة؛ كل شيء يبدو كاملا.. فستانها الأسود المطرز يلتف حولها في انسيابية شديدة، وكذا زينتها تبدو معتدلة..

تدلف إلى الردهة حيث الحفل، فتتعلق بها العيون، وبالفستان.. تحب رقي الأسود في الحفلات والسهرات، ولكنها في المقابل تمقت ارتياد تلك الحفلات والسهرات، خاصة عندما تضطر إلى الابتسام في وجه المتطفلين من رواد تلك الحفلات.. يسمونه مجاملات اجتماعية، وتسميه هي نفاقا..

تنتهز فرصة قرب مكان الحفل من شاطئ البحر، وتنسل خفية من بين الحضور.. القمر يتوسط اللاليء البعيدة و ينير السماء السوداء، المنعكسة بدورها على مياه البحر.. تتلفت حولها، قبل أن تخلع حذاءها الأسود المرصع ذا الكعب العالي، ثم ترمي بنفسها بين أحضان الماء الساكن، غير عابئة بالدنيا وما فيها..

*أحداث هذه القصة بها شيء من الواقع والكثير من الخيال.


(2)

هو جراح مشهور، و فقط. قلبه أسود كضميره الذي قتله بسكين بارد. تفنن في زيادة جراح مرضاه وإيلام أحبتهم، فكرهه الكل وتفننوا في الدعاء عليه.
-
هو طبيب ماهر، محبوب من مرضاه. يحسن إليهم ويرفق بهم، فيرفقون به في الصلوات و الدعوات.
-
يمرض الطبيب الماهر، ويحتاج إلى جراحة، يجريها ذلك المتشبه بالجراحين. يتسبب في مضاعفات بعد الجراحة، يدخل على إثرها الطبيب الماهر في غيبوبة مطولة، يفيق منها بعد عدة أشهر أمام وجه الله الكريم.
-
في ساحة المسجد نساء متشحات بالسواد. تنظر إلى الركن المنزوي، فترى صديقتها ابنة الطبيب الماهر، محدقة بلا وعي في كتيب به أدعية للميت. ما إن أقبلت على صديقتها، حتى ارتمت على صدرها، وبكاؤها المرير يسبقها.. لحظتها، لم تدرِ هي الأخرى بنفسها، إلا ودموعها الحارة تسبق تعازيها..

*أحداث هذه القصة -للأسف- حقيقية..


(3)

عارفة سواد العسل؟ أهو ده اللي حالك ليه وصل..
إزاي قوليلي مكملة، وكل ده فيكي حصل؟

*للقارئ الحق في اختيار أحداث القصة بنفسه، وما أكثر القصص..

05‏/04‏/2012

ليست مجرد زرقة


تناسبها الزرقة كلية. تتخفى داخل شرنقة نسجتها بيديها حول نفسها. من الخارج تبدو زرقاء اللون ذا طابع مريح هادئ، أما داخل الشرنقة، فلا وصف يلائمه، تماما كحال نفسها..

حتى في دنيا المحسوسات، تتخذ من اللون الأزرق حجابا لمن لا يعرفها، ومنفذا للأقربين.. تراها في بعض الأحيان متأنقة في سترة زرقاء داكنة كلون أعماق البحر، تخفي وراءها الكثير من الغضب الرافض للاستسلام.. ربما تراها -لاحقا- ملتحفة بشال زهري اللون، ينير وجهها بشكل ملفت، تماما كتصرفاتها، التي تعكس -لمن يعرفها- أنها ليست على مايرام.. أما إذا صادف ورأيتها في الصباح الباكر تتأمل زرقة السماء الصافية، المنعكسة على ردائها، فاعلم أنها تناجي ربها وتدعوه، ليمهد لها للأمل سبيلا..

02‏/04‏/2012

عن الطفل الصغير بداخلنا

الشارع دا كنا ساكنين فيه زمان
كل يوم يضيق زيادة عن ما كان
أصبح الآن بعد ما كبرنا عليه
زي بطن الأم مالناش فيه مكان*

كبُرنا.. في خضم الحياة وزحامها، كبرنا، ولم ندرك تلك الحقيقة، أو ربما أدركناها، ولكننا اخترنا أن نتجاهلها، أو نتناساها.. كبرنا، وأصبحنا أصحاب القرار الأول والأخير في أمور حياتنا، صغيرة كانت أو كبيرة مثلما أصبحنا نحن.. كبرنا، ولا زال بداخلنا طفل صغير يتشبث بما يريد، ويرى الدنيا من منظور وردي بحت لا وجود له في دنيا الواقع.. طفل يجعلنا نتشبث بخيوط الأمل الرفيعة، ونعيد وصلها إذا تمزقت كي لا نتمزق معها.. طفل يعود بنا إلى ذكريات تركناها، وتركنا معها ذاكرتنا، قبل أن تتراكم عليها أتربة الزمن يوما بعد يوم حتى اختفت عن ناظرينا، ونسينا وجودها مع مرور الوقت.. 

كبرنا.. وبحكم أننا كبرنا، صرنا لا نصغي إلى بكاء ذلك الطفل الصغير.. نتجاهله ونكمل سيرنا، كي لا يذكرنا بالحقيقة التي نرفض الاعتراف بها لأنفسنا..... أننا كبُرنا.


*الأبيات من أغنية "الشوارع حواديت" لفريق المصريين، وليست من القصيدة الأصلية لصلاح جاهين.